وهبة الزحيلي

296

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وقال أبو حنيفة رحمه اللّه : لا يكون الغلام بالغا حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها ، والفتاة حتى تبلغ سبع عشرة سنة ؛ لقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [ الأنعام 6 / 152 ] وأقل حد لبلوغ الأشد ثماني عشرة سنة ، فيبنى الحكم عليها للتيقن ، أما الإناث فيكون إدراكهن ونشوؤهن أسرع ، فنقص في حقهن سنة « 1 » . ويرى جماعة من العلماء منهم الشافعي أن الإنبات ( إنبات الشعر ) من أمارات البلوغ ؛ لما روى عطية القرظي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة ، واستحياء من لم ينبت ، قال : فنظروا إلي فلم أكن أنبتّ ، فاستبقاني صلّى اللّه عليه وسلم . ولا يعتبر الإنبات عند الحنفية بلوغا لظاهر قوله تعالى : وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ فإنه ينفي كون الإنبات بلوغا إذا لم يحتلم ، كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغا . ثم عاد البيان القرآني لتأكيد نعمة اللّه بتشريع هذه الأحكام فقال تعالى : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي كما بين لكم ما ذكر بيانا كافيا شافيا ، يبيّن لكم أحكاما أخرى تحقق الاستقرار والاطمئنان وسعادة الدنيا والآخرة ، واللّه عليم بأحوال عباده ، حكيم في معالجة أمورهم . الحكم الثالث عشر : وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ هذا بيان حكم النساء العجائز ، والمعنى : إن النساء اللواتي كبرن ، وانقطع الحيض عنهن ، ويئسن من الولد ، ولم يبق لهن رغبة في التزوج ، فلا إثم عليهن ولا حرج أن يخففن في ملابسهن ويخلعن ثيابهن الظاهرة

--> ( 1 ) أحكام القرآن للجصاص : 3 / 331 وما بعدها .